أحمد مصطفى المراغي
30
تفسير المراغي
عن عبد اللّه بن زمعة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم » يعنى أنه إذا لم يكن بدّ للرجل من هذا الاتصال الخاص بامرأته ، وهو أقوى وأحكم اجتماع يكون بين اثنين من البشر وقد قضت به الفطرة ، فكيف يليق به بعدئذ أن يجعل امرأته ، وهي كنفسه مهينة كمهانة عبده يضربها بسوطه أو بيده ، فالرجل الكريم يأبى عليه طبعه مثل هذا الجفاء . والخلاصة - إن الضرب علاج مرّ قد يستغنى عنه الخيّر الكريم ، ولكنه لا يزول من البيوت إلا إذا عم التهذيب الرجال والنساء ، وعرف كلّ ما له من الحقوق وكان للدين سلطان على النفوس يجعلها تراقب اللّه في السر والعلن وتخشى أمره ونهيه . ثم رغب في حسن المعاملة الزوجية فقال : ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ) أي فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها ، فابدءوا بما بدأ اللّه من الوعظ ، فإن لم يجد فبالهجر ، فإن لم يفد فبالضرب ، فإذا لم يغن فليلجأ إلى التحكيم ، ومتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عما في السرائر . ثم هدّد وتوعد من يظلم النساء ويبغى عليهن فقال : ( إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً ) يذكّر سبحانه عباده بقدرته وكبريائه عليهم ، ليتعظوا ويخشوه في معاملتهن ، فكأنه يقول لهم : إن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على نسائكم ، فإذا بغيتم عليهن عاقبكم ، وإن تجاوزتم عن هفواتهن كرما تجاوز عنكم وكفر عنكم سيئاتكم : وليس بخاف أن الرجال الذين يستذلّون نساءهم إنما يلدون عبيدا لغيرهم ، إذ هم يتربون على الظلم ويستسيغونه ، ولا يكون في نفوسهم شئ من الكرامة ولا من الشمم والإباء ، وأمة تخرج أبناء كهؤلاء إنما تربى عبيدا أذلاء لا يقومون بنصرتها ، ولا يغارون لكرامتها ، فما أحراهم بأن يكونوا قطعانا من الغنم تزدجر من كل راع وتستجيب لكل ناعق ! .